أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

202

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1424 - وما بوّأ الرّحمن بيتك منزلا * بشرقيّ أجياد الصّفا والمحرّم « 1 » وقال آخر : 1425 - كم من أخ لي صالح * بوّأته بيديّ لحدا « 2 » وقد تقدّم اشتقاق هذه اللفظة . وقيل : « اللام في قوله « لإبراهيم » مزيدة ، فعلى هذا يكون متعديا للاثنين بنفسه » . ومقاعد جمع « مقعد » . والمراد به هنا مكان القعود . وقعد قد يكون بمعنى صار في المثل خاصة . وقال الزمخشري : « وقد اتّسع في قعد وقام حتى أجريا مجرى صار » . قال الشيخ « 3 » : أمّا إجراء « قعد » مجرى « صار » فقال بعض أصحابنا إنما جاء ذلك في لفظة واحدة شاذة في المثل في قولهم : « شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة » ، وكذلك نقد على الزمخشري تخريجه قوله تعالى : فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً « 4 » بمعنى : فتصير ، لأنه لا يطّرد إجراء قعد مجرى صار » قلت : وهذا الذي ذكره الزمخشري صحيح من كون « قعد » يكون بمعنى صار في غير ما أشار إليه هذا القائل ، حكى أبو عمر الزاهد عن ابن الأعرابي أن العرب تقول : « قعد فلان أميرا بعد أن كان مأمورا » أي صار . ثم قال الشيخ « 5 » : « وأمّا إجراء « قام » مجرى « صار » فلا أعلم أحدا عدّها في أخوات « كان » ، ولا جعلها بمعنى صار ، إلا ابن هشام الخضراوي « 6 » فإنه ذكر في قول الشاعر : 1426 - على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرّغ في رماد « 7 » قلت : وغيره من النحويين يجعلها زائدة ، وهو شاذ أيضا . وقرأ العامة : « تبوّى » عدّوه بالتضعيف . وعبد اللّه : « تبوىء » بسكون الباء عدّاه بالهمزة ، فهو مضارع أبوأ كأكرم ، وقرأ يحيى بن وثاب « تبوي » كقراءة عبد اللّه ، إلا أنه سهّل الهمزة بإبدالها ياء فصار لفظه كلفظ « تحيي » كقولهم : تقري في تقرئ . وقرأ عبد اللّه : « للمؤمنين » بلام الجر كقوله : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ « 8 » . وتقدّم أنّ في هذه اللام قولين . والظاهر أنها معدّية ؛ لأنه قبل التضعيف والهمزة غير متعدّ بنفسه . ويحتمل أن يكون قد ضمّنه هنا معنى « تهيّىء » ، و « ترتّب » . وقرأ الأشهب : « مقاعد القتال » بإضافتها للقتال . واللام في « لِلْقِتالِ » في قراءة الجمهور فيها وجهان : أظهرهما : أنها متعلقة ب « تُبَوِّئُ » على أنها لام العلة . والثاني : أنها متعلقة بمحذوف لأنها صفة ل مقاعد أي : مقاعد كائنة ومهيئة للقتال ، ولا يجوز تعلقها ب « مَقاعِدَ » وإن كانت مشتقة ، لأنها مكان والأمكنة لا تعمل .

--> ( 1 ) البيت للأعشى ديوانه 123 ، ونصه فيه هكذا : وما جعل الرحمن بيتك في العلى * بأجياد غربيّ الصفا والمحرّم ( 2 ) البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي انظر البيت في الحماسة 1 / 105 . ( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 45 . ( 4 ) سورة الإسراء ، آية ( 22 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 45 . ( 6 ) محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي أبو عبد اللّه الأنصاري الخزرجي الأندلسي ويعرف بابن البرذعي كان رأسا في العربية توفي سنة 646 انظر بغية الوعاة 1 / 267 . ( 7 ) تقدم . ( 8 ) سورة الحج ، آية ( 26 ) .